لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية تنتمي إلى المختبرات وشركات التكنولوجيا فحسب، بل أصبح حاضرًا في التعليم والإعلام والاقتصاد والفنون، وبدأ يفرض أسئلته أيضًا على المجال الثقافي: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أداة لحفظ الذاكرة الثقافية؟ وهل يستطيع أن يساهم في إحياء التراث العربي ونشره؟ وأين تنتهي قدرة الآلة وتبدأ مسؤولية الإنسان؟
هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها بإلحاح في عالم تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة غير مسبوقة.
للحديث عن هذه العلاقة بين التكنولوجيا والثقافة، كان لنا هذا الحوار مع المهندس ضرار الحسين، الحاصل على الماجستير في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، والمتخصص في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والمؤلف لكتاب حقق انتشارًا ومبيعات واسعة عن دار النشر العالمية O'Reilly، إضافة إلى تجربته التعليمية عبر منصة Udemy، حيث استفاد من دوراته في الذكاء الاصطناعي أكثر من 150 ألف متعلم.
يجمع الحسين بين الخبرة التقنية والتأليف والنشر والتعليم الرقمي، ويعمل على توظيف هذه الخبرات في إنتاج ونشر محتوى معرفي وتعليمي رقمي باللغة العربية، إلى جانب تطوير تطبيقات للذكاء الاصطناعي يمكن أن تخدم الثقافة والتراث العربي. وقد اختار الانتقال إلى دولة الإمارات العربية المتحدة انطلاقًا من إيمانه بالدور الذي يمكن أن تؤديه في دعم الثقافة والمعرفة والابتكار.
لنبدأ من السؤال الأساسي: هل تحتاج الثقافة فعلًا إلى الذكاء الاصطناعي؟
المهندس ضرار الحسين: أعتقد أن السؤال الأهم ليس: هل تحتاج الثقافة إلى الذكاء الاصطناعي؟ وإنما: كيف يمكن للثقافة أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي من دون أن تفقد روحها وهويتها؟
الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من أدوات العصر، والثقافة بطبيعتها لا تعيش خارج الزمن. كل مرحلة تاريخية استخدمت أدواتها في حفظ المعرفة ونقلها ونشرها؛ من الرواية الشفوية إلى الكتاب، ومن المخطوط إلى المطبعة، ثم إلى الوسائط الرقمية. واليوم نحن أمام أداة جديدة تمتلك قدرات هائلة في معالجة المعلومات وتحليلها وإعادة تقديمها.
لذلك أرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة ثقافية مهمة جدًا، لكن بشرط أن نستخدمه لخدمة الإنسان والثقافة، وليس لاستبدال الإنسان أو اختزال الثقافة في بيانات.
أين ترى أبرز الفرص التي يمكن أن يقدمها الذكاء الاصطناعي للثقافة العربية؟
الحسين: الفرص كثيرة، وربما أهمها إتاحة الثقافة العربية لجمهور أوسع.
لدينا تراث ضخم جدًا: مخطوطات، كتب، وثائق، شعر، أدب، تاريخ، فنون شعبية، سير، أمثال، لهجات، تسجيلات صوتية ومرئية، ومجموعات هائلة من المواد التي ما زالت تحتاج إلى الرقمنة والفهرسة والتحليل.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحويل هذه الكنوز من مواد يصعب الوصول إليها إلى معرفة قابلة للبحث والاكتشاف. يمكن مثلًا استخدام تقنيات التعرف الضوئي على الحروف لمعالجة المخطوطات والكتب القديمة، ثم استخدام نماذج اللغة لتحليل النصوص وتصنيفها وربطها ببعضها.
وهنا لا نتحدث فقط عن حفظ التراث، بل عن إعادة إتاحته للأجيال الجديدة بطريقة تتناسب مع أدواتهم وطريقة استهلاكهم للمعرفة.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح وسيلة لإحياء التراث، وليس مجرد أرشيف رقمي له؟
الحسين: بالتأكيد. وهذه نقطة أعتقد أنها مهمة جدًا.
الأرشفة خطوة أساسية، لكنها ليست النهاية. إذا قمنا برقمنة آلاف الكتب والمخطوطات ثم تركناها في قواعد بيانات لا يعرف الجمهور كيف يصل إليها، فنحن لم نستثمر الإمكانات الكاملة للتكنولوجيا.
يمكن أن نذهب أبعد من ذلك بكثير. يمكن بناء مساعدين ذكيين متخصصين في التراث العربي، يستطيع المستخدم أن يسألهم عن شخصية تاريخية أو كتاب أو مدينة أو حقبة زمنية، فيحصل على إجابة مبنية على مصادر موثوقة.
يمكن أيضًا تطوير تطبيقات تعليمية تجعل الطفل أو الشاب يتفاعل مع التاريخ والأدب والتراث بصورة مختلفة؛ بدل أن يقرأ معلومات مجردة، يمكنه أن يدخل في تجربة تفاعلية ويتعلم من خلال الحوار والقصة والصورة والصوت.
هنا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة لحفظ التراث إلى أداة لإعادة تقديم التراث.
لكن هناك تخوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تشويه المعلومات التاريخية والثقافية، خصوصًا مع ظاهرة "الهلوسة" التي تنتج عنها معلومات غير صحيحة. كيف نتعامل مع ذلك؟
الحسين: هذا التخوف مشروع جدًا، بل يجب أن يكون حاضرًا في أي مشروع يستخدم الذكاء الاصطناعي في المجال الثقافي.
نماذج الذكاء الاصطناعي ليست موسوعات معصومة من الخطأ. يمكنها أن تنتج معلومات تبدو صحيحة ومقنعة، لكنها قد تكون غير دقيقة أو مختلقة.
لذلك لا يجوز أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره المرجع النهائي في القضايا التاريخية والثقافية. يجب أن يكون هناك نظام واضح للمصادر والتحقق.
إذا أردنا بناء تطبيق للتراث العربي، مثلًا، فمن الأفضل أن يعتمد على مجموعة مصادر موثقة ومراجعة، وأن يكون قادرًا على إظهار مصدر المعلومة للمستخدم. كما يجب أن يكون هناك إشراف بشري من المتخصصين في التاريخ والأدب والتراث.
المعادلة التي أؤمن بها هي: الذكاء الاصطناعي يسرّع العمل، لكن الإنسان المتخصص يمنحه الموثوقية والمعنى.
تحدثت عن أهمية المحتوى العربي. هل تعتقد أن اللغة العربية جاهزة لعصر الذكاء الاصطناعي؟
الحسين: اللغة العربية تمتلك ثراءً هائلًا، لكن التحدي ليس في اللغة نفسها، وإنما في حجم البيانات والأدوات والنماذج المتخصصة التي تخدمها.
لدينا تحديات مرتبطة بتنوع اللهجات، والصرف العربي، والتشكيل، والازدواجية بين العربية الفصحى واللهجات، فضلًا عن الحاجة إلى مجموعات بيانات عالية الجودة.
لكنني متفائل جدًا. لدينا اليوم اهتمام متزايد بتطوير تقنيات عربية، وهناك إمكانات كبيرة أمام المؤسسات والباحثين والمطورين العرب.
وأعتقد أن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نكون مجرد مستخدمين للتقنيات التي يصنعها الآخرون. نحن بحاجة إلى أن نشارك في بناء المعرفة والأدوات والنماذج التي تفهم لغتنا وثقافتنا وسياقنا الحضاري.
أنت تجمع بين التأليف والتعليم والعمل التقني. كيف تنظر إلى دور المعرفة العربية في هذا التحول؟
الحسين: أرى أن إنتاج المعرفة باللغة العربية أصبح ضرورة، وليس ترفًا.
إذا أردنا أن يكون الذكاء الاصطناعي جزءًا من نهضة معرفية عربية، فعلينا أن ننتج محتوى عربيًا عالي الجودة في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، وأن نصل بهذه المعرفة إلى الطلاب والمهنيين والباحثين.
تجربتي في التعليم الرقمي جعلتني أرى بوضوح حجم الطلب على المعرفة التقنية باللغة العربية. وفي المقابل، تجربة تأليف كتاب ونشره مع دار نشر عالمية مثل O'Reilly أكدت لي أن المعرفة لا حدود لها، وأن الباحث أو الكاتب العربي قادر على الوصول إلى جمهور عالمي عندما يقدم محتوى عالي الجودة.
الهدف في النهاية هو أن نكون منتجين للمعرفة، لا مستهلكين لها فقط.
وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في نقل الثقافة العربية إلى العالم؟
الحسين: نعم، وهذه من أكبر الفرص التي أراها.
تخيل أن يكون لدينا نظام ذكي يستطيع أن يقدم محتوى عن الأدب العربي أو الشعر أو التاريخ أو العمارة أو الفنون العربية بلغات متعددة، مع الحفاظ على السياق الثقافي للمادة.
الترجمة الآلية الحديثة يمكن أن تساعد كثيرًا، لكننا بحاجة إلى أن تكون الترجمة واعية بالسياق الثقافي، لأن ترجمة الثقافة ليست مجرد تحويل كلمات من لغة إلى أخرى.
لدينا فرصة لكي نجعل الذكاء الاصطناعي جسرًا بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى.
لماذا اخترت الإمارات العربية المتحدة تحديدًا؟
الحسين: انتقلت إلى الإمارات لإيماني بدورها الثقافي، وبالبيئة التي توفرها للابتكار والمعرفة.
ما يهمني هو وجود بيئة يمكن فيها الجمع بين التكنولوجيا والثقافة والتعليم. وأعتقد أن الإمارات تمتلك فرصة مهمة جدًا لتكون مركزًا إقليميًا للمشروعات التي تربط الذكاء الاصطناعي بالمحتوى والثقافة والتراث.
المستقبل لن يكون تقنيًا فقط، ولن يكون ثقافيًا فقط؛ سيكون مزيجًا بين الاثنين. ولذلك فإن وجود بيئة تدعم هذا التكامل أمر مهم بالنسبة لي.
هل يمكن أن نرى يومًا "متحفًا ذكيًا" أو "مكتبة عربية ذكية" تعتمد بصورة واسعة على الذكاء الاصطناعي؟
الحسين: ليس فقط يمكننا أن نرى ذلك، بل أعتقد أن هذا الاتجاه سيصبح طبيعيًا خلال السنوات القادمة.
المتحف الذكي، مثلًا، يمكن أن يجعل الزائر يتفاعل مع القطعة التاريخية ويسأل عنها ويحصل على معلومات تناسب اهتمامه ومستواه المعرفي.
والمكتبة الذكية يمكن أن تفهم سؤال الباحث بصورة طبيعية، ثم تبحث في آلاف الكتب والمصادر وتربط المعلومات ببعضها.
لكن الأهم ألا ننجرف وراء فكرة "الذكاء" لمجرد أنها تقنية جذابة. يجب أن نسأل دائمًا: ما القيمة الثقافية التي نضيفها؟ وما المشكلة التي نحلها؟ وهل نجعل الوصول إلى المعرفة أسهل وأكثر دقة وعمقًا؟
ماذا عن الأدباء والكتاب والفنانين؟ هل عليهم أن يخافوا من الذكاء الاصطناعي؟
الحسين: لا أعتقد أن الخوف هو الموقف الصحيح، لكن الحذر والتعلم ضروريان.
الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة العمل الإبداعي، وهذا أمر واضح. لكنه لا يلغي قيمة الإنسان؛ لأن الإبداع ليس مجرد إنتاج نص أو صورة. الإبداع مرتبط بالتجربة الإنسانية، والذاكرة، والمشاعر، والسياق، والأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه وعلى العالم.
قد يصبح الكاتب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر إنتاجية، والفنان قادرًا على تجربة أفكار أكثر، والباحث قادرًا على تحليل كم أكبر من المصادر.
المشكلة ليست في أن تستخدم الأدوات الجديدة، وإنما في أن تترك الأدوات تفكر بدلًا منك.
ما المشروع الذي تحلم بتنفيذه في مجال الذكاء الاصطناعي والثقافة العربية؟
الحسين: أحلم بمشروعات تجعل المعرفة العربية متاحة بطريقة لم تكن ممكنة من قبل.
من بين الأفكار التي تهمني بناء تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتسهيل الوصول إلى المصادر العربية، وربط الكتب والمخطوطات والشخصيات والأحداث والأماكن في شبكة معرفية واحدة.
أتخيل تجربة يستطيع فيها الطالب أو الباحث أن يبدأ بسؤال بسيط، ثم يقوده النظام إلى الكتب والمصادر والشخصيات المرتبطة بالموضوع، مع القدرة على التحقق من المعلومات والعودة إلى المصادر الأصلية.
وأتمنى كذلك أن نرى المزيد من المحتوى التعليمي العربي المتخصص في الذكاء الاصطناعي، بحيث لا تكون اللغة عائقًا أمام أي شاب عربي يريد دخول هذا المجال.
في كلمة أخيرة، ماذا تقول للمؤسسات الثقافية العربية؟
الحسين: أقول لها: لا تنتظروا حتى تصبح التكنولوجيا أمرًا مفروضًا عليكم.
ابدؤوا الآن بتجربة الذكاء الاصطناعي، لكن ابدؤوا من احتياجاتكم الثقافية الحقيقية. اجمعوا البيانات، ورقمنوا الأرشيف، واستثمروا في الكفاءات، وتعاونوا مع الجامعات والمطورين والباحثين.
والأهم: لا تنظروا إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعًا تقنيًا فقط. إنه مشروع معرفي وثقافي أيضًا.
لدينا تراث عربي عظيم، ولدينا لغة غنية، ولدينا أجيال شابة تمتلك الطموح والقدرة على التعلم. ما نحتاجه هو أن نوظف التكنولوجيا لكي نصل بهذا التراث إلى المستقبل.
بين التراث والمستقبل
ربما لا تحتاج الثقافة إلى الذكاء الاصطناعي بالمعنى الذي تحتاج فيه المؤسسات إلى الكهرباء أو الإنترنت، لكنها بالتأكيد تستطيع أن تستفيد منه بوصفه إحدى أهم أدوات العصر.
وفي التجربة التي يتحدث عنها المهندس ضرار الحسين، لا تبدو المسألة سباقًا بين الإنسان والآلة، وإنما محاولة لبناء علاقة جديدة بين المعرفة والتكنولوجيا والهوية.
فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على قراءة ملايين الصفحات وتحليلها خلال وقت قصير، فإن السؤال الثقافي الأهم يبقى: ماذا نريد أن نعلّمه لهذه الآلة عن أنفسنا؟
ربما تكون الإجابة بداية مشروع عربي جديد: أن ننتقل من مرحلة الخوف من أن تكتب الآلة تاريخنا، إلى مرحلة المشاركة في بناء الأدوات التي تساعدنا على حفظ تاريخنا، وفهمه، وإعادة تقديمه للعالم.
وهنا تحديدًا تلتقي الثقافة بالذكاء الاصطناعي؛ ليس لكي تحل الآلة محل الإنسان، وإنما لكي تساعد الإنسان على أن يرى تراثه ومعرفته بعيون جديدة.