شهد العالم خلال العقود الأخيرة ثورة تكنولوجية غيرت بصورة عميقة مختلف جوانب الحياة الإنسانية، فلم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات مساعدة في العمل أو وسائل للاتصال، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من طريقة تفكير الإنسان وتعلمه وتواصله واستهلاكه للمعرفة. ومع انتشار الحواسيب والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، ثم ظهور الكتب الإلكترونية والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، أصبح الوصول إلى المعلومات والكتب أسرع وأسهل من أي وقت مضى.
وفي خضم هذا التحول، برز سؤال يزداد حضورًا مع مرور الوقت: هل ما يزال للكتاب الورقي مستقبل في عصر التكنولوجيا الرقمية، أم أن الكتاب الإلكتروني سيحل محله نهائيًا؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الكتاب الورقي يواجه منافسًا يصعب التغلب عليه؛ فالكتاب الإلكتروني يمكن تخزين آلاف العناوين في جهاز واحد، ويمكن الحصول عليه خلال ثوانٍ، كما يمكن البحث داخله وتكبير النص وتغيير حجم الخط وإضافة الملاحظات إليه بسهولة. ومع ذلك، فإن الكتاب الورقي لم يختفِ رغم مرور سنوات طويلة على انتشار الوسائط الرقمية، بل ظل حاضرًا في المكتبات والمدارس والجامعات والمنازل، واستمر في جذب القراء الذين يرون فيه أكثر من مجرد وسيلة لنقل المعلومات.
ومن هنا، فإن مستقبل الكتاب الورقي لا ينبغي أن يُفهم من خلال ثنائية بسيطة تقوم على فكرة "إما الكتاب الورقي أو الكتاب الإلكتروني"، بل من خلال دراسة العلاقة المتغيرة بينهما. فالثورة التكنولوجية قد لا تؤدي بالضرورة إلى نهاية الكتاب الورقي، وإنما قد تدفعه إلى إعادة تحديد وظيفته ومكانته وطريقة إنتاجه وتداوله.
أولًا: الكتاب الورقي... أكثر من مجرد وسيلة للقراءة
ارتبط الكتاب الورقي بالحضارة الإنسانية ارتباطًا وثيقًا. فمنذ تطور الكتابة والطباعة، أصبح الكتاب وسيلة أساسية لحفظ المعرفة ونقلها بين الأجيال. ولم يكن الكتاب مجرد مجموعة من الصفحات التي تحتوي على كلمات، بل أصبح رمزًا للعلم والثقافة والتعليم والتقدم الفكري.
وعلى الرغم من ظهور وسائل عديدة لنقل المعرفة، احتفظ الكتاب بمكانته لقرون طويلة. بل إن فعل القراءة نفسه أصبح مرتبطًا في أذهان كثير من الناس بالورق ورائحة الكتب وملمس الصفحات وتقليبها وتسجيل الملاحظات على هوامشها.
ولهذا السبب، فإن الكتاب الورقي يمتلك بعدًا عاطفيًا وثقافيًا لا توفره الوسائط الرقمية بالطريقة نفسها. فالقارئ قد يحتفظ بكتاب معين لأنه يذكره بمرحلة من حياته، أو لأنه تلقاه هدية من شخص عزيز، أو لأنه ارتبط بحدث فكري أو شخصي مهم. وقد تتحول الكتب مع مرور الزمن إلى جزء من ذاكرة أصحابها، بينما تظل الملفات الرقمية في كثير من الأحيان مجرد بيانات محفوظة على جهاز أو منصة إلكترونية.
إن قيمة الكتاب الورقي، إذن، لا تكمن في محتواه فقط، وإنما في التجربة التي يخلقها حول ذلك المحتوى.
ثانيًا: الثورة التكنولوجية وتغير مفهوم الكتاب
أحدثت التكنولوجيا تحولًا جذريًا في مفهوم الكتاب. ففي الماضي كان الكتاب كيانًا ماديًا واضحًا: صفحات مطبوعة، وغلاف، وعدد معين من النسخ. أما اليوم فقد أصبح الكتاب يمكن أن يكون ملفًا رقميًا يُقرأ على الهاتف أو الحاسوب أو الجهاز اللوحي أو القارئ الإلكتروني.
وقد أدى هذا التحول إلى إزالة كثير من القيود التي كانت مرتبطة بالكتاب الورقي. فلم يعد القارئ مضطرًا إلى الذهاب إلى المكتبة أو متجر الكتب للحصول على عنوان معين، كما لم يعد يحتاج إلى حمل عدة كتب أثناء السفر. ويمكن للقارئ أن يحمل مكتبة كاملة في جهاز صغير.
كما أتاحت البيئة الرقمية إمكانات جديدة لم تكن متاحة في الكتاب التقليدي، مثل البحث الفوري عن كلمة أو فكرة، والوصول إلى الروابط والمراجع، والاستفادة من القواميس والترجمات، والاستماع إلى النصوص المقروءة، وتغيير حجم الخط وشكله، وإضافة التعليقات والملاحظات الرقمية.
وهكذا لم تعد التكنولوجيا تنافس الكتاب الورقي في شكله فقط، بل أصبحت تعيد تعريف مفهوم القراءة ذاته.
ثالثًا: مزايا الكتاب الإلكتروني
يصعب الحديث عن مستقبل الكتاب الورقي من دون الاعتراف بالمزايا الكبيرة التي يوفرها الكتاب الإلكتروني.
أول هذه المزايا هو سهولة الوصول. فالكتاب الرقمي يمكن شراؤه أو تحميله والوصول إليه في وقت قصير، وهو ما يتيح للقارئ الحصول على مصادر المعرفة دون الحاجة إلى انتظار الشحن أو البحث عن نسخة متوفرة في المكتبات.
أما الميزة الثانية فهي سهولة التخزين والنقل. فقد يستطيع جهاز إلكتروني واحد أن يحتوي على مئات أو آلاف الكتب، وهو أمر يصعب تحقيقه ماديًا باستخدام الكتب الورقية.
وتأتي بعد ذلك إمكانات البحث والتفاعل. فالقارئ يستطيع العثور على كلمة أو فقرة خلال لحظات، كما يمكنه استخدام أدوات الترجمة والقواميس والروابط والملاحظات الإلكترونية.
كما أن الكتب الرقمية قد تساعد في إتاحة المعرفة لشرائح أوسع من المجتمع، وخاصة الأشخاص الذين يحتاجون إلى تكبير النص أو استخدام تقنيات القراءة الصوتية وغيرها من أدوات الوصول.
ومن الناحية البيئية، يمكن أن يسهم النشر الرقمي في تقليل الحاجة إلى الورق والطباعة والنقل والتخزين، وإن كان من الخطأ اعتبار الكتاب الإلكتروني بلا أثر بيئي؛ فالأجهزة والخوادم وشبكات الاتصال تحتاج هي الأخرى إلى موارد وطاقة.
رابعًا: لماذا لم يختفِ الكتاب الورقي؟
رغم الانتشار الكبير للوسائط الرقمية، لم يختفِ الكتاب الورقي. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل التي تجعل تجربة القراءة الورقية مختلفة عن تجربة القراءة على الشاشة.
أول هذه العوامل هو التركيز. فالكتاب الورقي لا يحتوي عادةً على الإشعارات والتنبيهات والتطبيقات التي تحيط بالقارئ أثناء استخدام الهاتف أو الحاسوب. ولذلك يجد بعض القراء أن الورق يساعدهم على الانغماس في النص بعيدًا عن المشتتات الرقمية.
وهناك أيضًا العامل الحسي. فالكتاب الورقي يقدم تجربة ملموسة: يمكن للقارئ أن يقلب الصفحات، ويشعر بوزن الكتاب، ويرى تقدمه من خلال عدد الصفحات التي قرأها. وهذه التفاصيل الصغيرة قد تكون ذات قيمة نفسية بالنسبة إلى كثير من القراء.
ومن جهة أخرى، يفضل بعض الأشخاص الورق لأنه لا يعتمد على بطارية أو اتصال بالإنترنت أو جهاز إلكتروني. يمكن فتح الكتاب في أي مكان وقراءته ببساطة.
كما أن الكتاب الورقي يحتفظ بمكانة مهمة في التعليم والدراسة. فبعض الطلاب والباحثين يفضلون القراءة الورقية عندما يكون الهدف هو الدراسة المتأنية أو التلخيص أو وضع الملاحظات.
خامسًا: الكتاب الورقي في مواجهة اقتصاد السرعة
تتميز الثورة التكنولوجية بالسرعة. فالإنسان المعاصر يريد الحصول على المعلومات بسرعة، ومشاركتها بسرعة، والانتقال من موضوع إلى آخر بسرعة. وفي المقابل، تحتاج القراءة العميقة إلى وقت وتأمل وتركيز.
وهنا تظهر إحدى أهم المشكلات التي تواجه الكتاب الورقي: ليس لأنه أقل قدرة من التكنولوجيا، وإنما لأن الثقافة الرقمية نفسها تعيد تشكيل عادات الإنسان.
فالقارئ الذي اعتاد على قراءة عناوين قصيرة ومنشورات سريعة ومقاطع مختصرة قد يجد صعوبة في تخصيص ساعات لقراءة كتاب طويل. ولذلك فإن التحدي الذي يواجه الكتاب الورقي ليس منافسة الكتاب الإلكتروني فقط، وإنما منافسة اقتصاد الانتباه بأكمله.
فالكتاب يحتاج إلى قارئ مستعد للجلوس والتأمل والصبر، بينما تعتمد كثير من المنصات الرقمية على جذب انتباه المستخدم بصورة مستمرة. ومن هنا يصبح الحفاظ على عادة القراءة العميقة تحديًا ثقافيًا وتربويًا، وليس مجرد قضية تتعلق بنوع الوسيط المستخدم.
سادسًا: أثر التكنولوجيا في صناعة النشر
لم تؤثر التكنولوجيا في القارئ وحده، بل غيرت صناعة الكتاب نفسها.
ففي الماضي كانت عملية نشر الكتاب تمر بمراحل طويلة تبدأ بالتأليف والتحرير والطباعة ثم التوزيع في المكتبات. أما اليوم، فقد أصبح المؤلف قادرًا في بعض الحالات على نشر كتابه رقميًا والوصول إلى القراء مباشرة.
كما أتاحت تقنيات الطباعة الحديثة إمكانات مثل الطباعة عند الطلب، التي تسمح بإنتاج عدد محدود من النسخ بدل طباعة كميات كبيرة وتخزينها لفترات طويلة.
وساهمت المنصات الإلكترونية أيضًا في تغيير طريقة اكتشاف الكتب. فلم تعد المكتبة أو واجهة متجر الكتب هي المكان الوحيد الذي يتعرف فيه القارئ على العناوين الجديدة، بل أصبحت التوصيات الرقمية ومحركات البحث وشبكات التواصل الاجتماعي والمراجعات الإلكترونية عوامل مؤثرة في اختيارات القراء.
وهذا يعني أن مستقبل الكتاب الورقي مرتبط إلى حد كبير بقدرته على التكيف مع اقتصاد النشر الجديد.
سابعًا: الذكاء الاصطناعي ومستقبل القراءة
دخل الذكاء الاصطناعي بدوره إلى عالم الكتب والمعرفة، ومن المتوقع أن يكون تأثيره عميقًا خلال السنوات القادمة.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع مساعدة القارئ في البحث عن الكتب، وتلخيص بعض النصوص، واقتراح مصادر مرتبطة بموضوع معين، وترجمة المحتوى، وتحليل النصوص، وتقديم أدوات مساعدة للطلاب والباحثين.
لكن هذه التطورات تطرح سؤالًا أكثر عمقًا: إذا أصبح الإنسان قادرًا على الحصول على ملخص لأي كتاب خلال ثوانٍ، فهل سيظل راغبًا في قراءة الكتاب كاملًا؟
الإجابة لا تبدو محسومة. فمن الممكن أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليل القراءة السطحية لبعض أنواع المحتوى، لكنه في الوقت نفسه قد يساعد القارئ على اكتشاف كتب جديدة وفهم النصوص المعقدة والوصول إلى المعرفة التي يصعب عليه الوصول إليها بمفرده.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين امتلاك المعلومات واكتساب المعرفة. فتلخيص كتاب لا يعادل بالضرورة قراءة الكتاب، ومعرفة فكرة ما لا تعني بالضرورة فهمها بعمق. والقراءة الطويلة تظل وسيلة لتدريب العقل على الصبر والتحليل وربط الأفكار وبناء الرؤية النقدية.
ثامنًا: هل الكتاب الورقي أكثر فائدة من الإلكتروني؟
لا توجد إجابة مطلقة عن هذا السؤال؛ لأن فائدة الوسيط تعتمد على الغرض من القراءة.
إذا كان القارئ يريد حمل عدد كبير من الكتب أثناء السفر، أو البحث السريع عن مصطلح، أو تغيير حجم الخط، أو الوصول الفوري إلى كتاب نادر، فإن الكتاب الإلكتروني قد يكون الخيار الأفضل.
أما إذا كان الهدف هو القراءة الهادئة، أو جمع الكتب، أو الدراسة بعيدًا عن المشتتات، أو الاستمتاع بالتجربة الحسية للكتاب، فقد يكون الكتاب الورقي أكثر ملاءمة.
لذلك فإن المقارنة الصحيحة ليست بين "قديم" و"حديث"، وإنما بين احتياجات مختلفة ووسائل مختلفة.
وقد يكون المستقبل الحقيقي للقراءة قائمًا على التكامل بين الوسيطين بدل إلغاء أحدهما.
تاسعًا: الكتاب الورقي في التعليم
يُعد التعليم من أكثر المجالات التي ستحدد مستقبل الكتاب الورقي.
فقد انتقلت المؤسسات التعليمية في كثير من أنحاء العالم إلى استخدام المنصات الرقمية والأجهزة اللوحية والموارد الإلكترونية. وهذه الأدوات تمنح الطلاب وصولًا سريعًا إلى مصادر كثيرة، وتسمح بتحديث المحتوى بسهولة، كما توفر أدوات تفاعلية متنوعة.
لكن ذلك لا يعني أن الكتاب الورقي فقد قيمته التعليمية.
فالطالب يحتاج إلى تعلم كيفية البحث الرقمي، لكنه يحتاج أيضًا إلى تطوير القدرة على القراءة المركزة والتفكير النقدي. ومن هنا يمكن أن يكون النموذج الأفضل هو التعليم الهجين الذي يجمع بين الكتاب الورقي والموارد الرقمية.
فقد يستخدم الطالب كتابًا ورقيًا لقراءة فصل كامل وفهمه بعمق، ثم يستخدم المصادر الرقمية للبحث عن معلومات إضافية أو مشاهدة شرح أو مقارنة آراء مختلفة.
بهذه الطريقة تصبح التكنولوجيا مكملة للكتاب بدل أن تكون بديلًا كاملًا عنه.
عاشرًا: الجانب الاقتصادي والبيئي
يرتبط مستقبل الكتاب الورقي أيضًا بعوامل اقتصادية وبيئية.
فالكتب الورقية تحتاج إلى الورق والحبر والطباعة والتخزين والنقل، وكل ذلك يرفع تكلفتها ويؤثر في البيئة. وفي المقابل، يحتاج العالم الرقمي إلى أجهزة إلكترونية ومراكز بيانات وشبكات اتصال، وهي بدورها تستهلك الطاقة والموارد.
لذلك فإن المقارنة البيئية ليست بسيطة. فالأثر البيئي يعتمد على عوامل متعددة، منها نوع المواد المستخدمة، وحجم الإنتاج، وطول مدة استخدام الجهاز، وعدد الكتب التي يقرأها الشخص، وطريقة تصنيع الأجهزة والتخلص منها.
ومن الناحية الاقتصادية، قد يظل الكتاب الورقي أكثر تكلفة في بعض الحالات، لكنه يمكن أن يحتفظ بقيمة طويلة الأجل، خاصة بالنسبة إلى الكتب المتخصصة والأعمال الأدبية والإصدارات الفنية والكتب التي يرغب الناس في امتلاكها ماديًا.
الحادي عشر: الكتاب الورقي كمنتج ثقافي
من المتوقع أن يتحول الكتاب الورقي تدريجيًا من كونه الوسيلة الوحيدة لحمل النص إلى كونه منتجًا ثقافيًا له قيمة خاصة.
ففي عالم يمكن فيه الحصول على النص إلكترونيًا خلال ثوانٍ، تصبح النسخة الورقية المميزة أكثر جذبًا لبعض القراء. وقد تزداد أهمية جودة الورق والتصميم والتجليد والرسوم والطبعات الخاصة.
ومن المحتمل أن يصبح الكتاب الورقي أكثر ارتباطًا بفكرة الاقتناء والهدية والذاكرة الشخصية. فقد لا يشتري الإنسان كتابًا ورقيًا لأنه لا يستطيع الحصول على محتواه رقميًا، وإنما لأنه يريد امتلاك نسخة مادية منه.
وهذا التحول يمكن تشبيهه بما حدث في مجالات أخرى؛ فظهور الوسائط الرقمية لم يلغِ بالضرورة المنتجات المادية، بل جعل بعضها أكثر تخصصًا وقيمة بالنسبة إلى فئات معينة.
الثاني عشر: المكتبات بين الماضي والمستقبل
ستتغير المكتبات أيضًا مع تغير الكتاب.
فالمكتبة المستقبلية قد لا تكون مجرد مكان لتخزين الكتب الورقية، بل قد تصبح فضاءً يجمع بين الكتب المطبوعة وقواعد البيانات الرقمية وأجهزة القراءة والمختبرات التعليمية والمساحات المخصصة للنقاش والعمل الجماعي.
وبذلك يمكن أن تتحول المكتبة من "مخزن للكتب" إلى مركز للمعرفة والتفاعل الثقافي.
وسيظل للكتاب الورقي مكان داخل هذه المؤسسات، لكنه سيكون جزءًا من منظومة معرفية أوسع تشمل الوسائط الرقمية والمواد السمعية والبصرية والأدوات الذكية.
الثالث عشر: السيناريوهات المحتملة لمستقبل الكتاب الورقي
يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل الكتاب الورقي.
السيناريو الأول: تراجع كبير
قد يستمر استخدام الكتب الرقمية في التوسع، خاصة في المجالات الأكاديمية والمهنية والمعلوماتية، مما يؤدي إلى انخفاض كبير في الطلب على بعض أنواع الكتب الورقية.
وفي هذا السيناريو، قد تختفي بعض أشكال النشر الورقي منخفضة الطلب، بينما تستمر أنواع أخرى.
السيناريو الثاني: التعايش
وهو السيناريو الأكثر واقعية؛ حيث يستمر الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني جنبًا إلى جنب، ويختار القارئ الوسيط وفق احتياجاته.
قد يقرأ الإنسان رواية على الورق، ويستخدم كتابًا إلكترونيًا أثناء السفر، ويعتمد على قاعدة بيانات رقمية في عمله، ويستخدم الكتب الصوتية أثناء القيادة.
السيناريو الثالث: تحول الكتاب الورقي إلى منتج فاخر
وفق هذا السيناريو، قد يصبح الكتاب الورقي أقل انتشارًا لكنه أكثر تميزًا. وتظهر طبعات فاخرة ومصممة بعناية، ويصبح اقتناء الكتب شبيهًا باقتناء الأعمال الفنية أو المنتجات الثقافية ذات القيمة الجمالية.
ومن المرجح أن تتعايش هذه السيناريوهات بدرجات مختلفة بحسب البلد والفئة العمرية ونوع الكتاب وطبيعة القارئ.
الرابع عشر: ما الذي لا تستطيع التكنولوجيا أن تستبدله؟
رغم القوة الهائلة للتكنولوجيا، هناك جوانب من تجربة الكتاب يصعب اختزالها في وظيفة تقنية.
فالقراءة ليست مجرد استقبال للمعلومات، وإنما هي علاقة بين الإنسان والنص. والكتاب يمكن أن يكون رفيقًا وذاكرة ورمزًا وتجربة شخصية.
قد يحتفظ الإنسان بكتاب قرأه في طفولته، ثم يعود إليه بعد سنوات فيجد أن الكتاب نفسه لم يتغير، لكن القارئ تغير. وقد تكون هذه العلاقة الزمنية إحدى أهم القيم التي تجعل الكتاب مختلفًا عن مجرد ملف رقمي.
كما أن القراءة الورقية قد تمنح الإنسان فرصة للابتعاد عن الاتصال المستمر بالشاشات، وهو أمر تزداد أهميته في عالم أصبحت فيه الأجهزة الرقمية حاضرة في معظم تفاصيل الحياة اليومية.
الخامس عشر: مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع
لا يتحدد مستقبل الكتاب من خلال التكنولوجيا وحدها، وإنما من خلال الخيارات التي يتخذها المجتمع.
إذا أرادت الأسرة أن تنشئ طفلًا قارئًا، فلا يكفي أن توفر له جهازًا إلكترونيًا أو مجموعة من التطبيقات، بل ينبغي أن تعطيه فرصة للقراءة الحرة، وأن تجعل الكتاب جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية.
كما أن المدرسة مطالبة بتعليم الطلاب ليس فقط كيفية الوصول إلى المعلومات، وإنما كيفية تقييمها وتحليلها وفهمها. وهذا يتطلب الحفاظ على قيمة القراءة المتأنية.
أما المجتمع، فيحتاج إلى دعم المكتبات ودور النشر والمؤلفين والمبادرات الثقافية، لأن مستقبل الكتاب لا يتعلق بالسوق وحده، بل يتعلق أيضًا بالحفاظ على المعرفة واللغة والذاكرة الثقافية.
السادس عشر: نحو علاقة جديدة بين الورق والتكنولوجيا
بدلًا من النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها عدوًا للكتاب الورقي، يمكن النظر إليها بوصفها فرصة لإعادة تقديم الكتاب.
فقد يستخدم الناشر تقنيات رقمية للترويج لكتاب ورقي، ويمكن للقارئ الوصول إلى محتوى إضافي من خلال رمز رقمي داخل الكتاب، كما يمكن للمؤلف التواصل مع جمهوره مباشرة عبر المنصات الرقمية.
ويمكن أن يصبح الكتاب الورقي نقطة انطلاق إلى تجربة معرفية متعددة الوسائط، تجمع بين القراءة والصوت والصورة والمحتوى التفاعلي.
وبذلك لا يعود السؤال: "من سينتصر، الورق أم الشاشة؟"، وإنما يصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف يمكن استخدام التكنولوجيا لتعزيز علاقتنا بالكتاب والمعرفة؟
خاتمة
إن مستقبل الكتاب الورقي أمام الثورة التكنولوجية لا يبدو مستقبلًا قائمًا على الاختفاء الكامل، كما أنه لن يكون بالضرورة مستقبلًا من الهيمنة التي عرفها الكتاب في القرون الماضية. والأقرب أن نشهد تحولًا في وظيفته ومكانته.
فالكتاب الإلكتروني يتميز بالسرعة والمرونة وسهولة التخزين والوصول، بينما يحتفظ الكتاب الورقي بقيمة حسية وثقافية ونفسية تجعله قادرًا على البقاء. ومع تطور الذكاء الاصطناعي والوسائط الرقمية، ستصبح عملية الوصول إلى المعلومات أسهل، لكن الحاجة إلى القراءة العميقة والفهم والنقد والتأمل ستظل قائمة.
وقد يكون مستقبل الكتاب الورقي في نهاية المطاف أكثر ارتباطًا بنوع القراءة التي نريدها لا بالتكنولوجيا التي نستخدمها. فإذا كانت حاجتنا هي الوصول السريع إلى المعلومات، فستتفوق الوسائط الرقمية. وإذا كانت حاجتنا هي التأمل والاقتناء والذاكرة والتجربة الثقافية، فسيظل الكتاب الورقي حاضرًا.
لذلك فإن الثورة التكنولوجية لا تعني بالضرورة نهاية الكتاب، بل قد تعني نهاية احتكار الكتاب الورقي لوظيفة نقل المعرفة. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الكتاب الورقي يستطيع أن يتخلى عن بعض وظائفه القديمة دون أن يفقد قيمته.
إن المستقبل لن يكون بالضرورة للورق وحده، ولا للشاشة وحدها، وإنما للقارئ القادر على استخدام الوسيلتين بوعي. فالغاية النهائية ليست الانتصار لوسيط على آخر، بل الحفاظ على الإنسان قارئًا، مفكرًا، باحثًا، وقادرًا على تحويل المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي.